الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
233
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
تكون السورة تزيد أحدا إيمانا قياسا على أحوال قلوبهم فأجيب استفهامهم بهذا التفصيل المتفرع عليه ، فأثبت أن للسورة زيادة في إيمان بعض الناس وأكثر من الزيادة ، وهو حصول البشر لهم . وارتقي في الجواب عن مقصدهم من الإنكار بأن السورة ليست منفيا عنها زيادة في إيمان بعض الناس فقط بل الأمر أشد إذ هي زائدة في كفرهم ، فالقسم الأول المؤمنون زادتهم إيمانا وأكسبتهم بشرى فحصل من السورة لهم نفعان عظيمان ، والقسم الثاني الذين في قلوبهم مرض زادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون . فالوجه أن تكون جملة وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ معطوفة على جملة : فَزادَتْهُمْ إِيماناً وأن تكون جملة : وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ معطوفة على جملة : فَزادَتْهُمْ رِجْساً لأن مضمون كلتا الجملتين مما أثرته السورة . أما جملة : وَهُمْ كافِرُونَ فهي حال من ضمير ماتُوا . وقوبل قوله : وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ في جانب المؤمنين بقوله : وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ في جانب المنافقين تحسينا بالازدواج ، بحيث كانت للسورة فائدتان للمؤمنين ومصيبتان على المنافقين ، فجعل موتهم على الكفر المتسبب على زيادة السورة في كفرهم بمنزلة مصيبة أخرى غير الأولى وإن كانت في الحقيقة زيادة في المصيبة الأولى . هذا وجه نظم الآية على هذا النسج من البلاغة والبديع ، وقد أغفل فيما رأيت من التفاسير ، فمنها ما سكت عن بيانه . ومنها ما نشرت فيه معاني المفردات وترك جانب نظم الكلام . والاستبشار : أثر البشرى في النفس ، فالسين والتاء للتأكيد مثل استعجم ، وتقدم في قوله تعالى : يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ في آل عمران [ 171 ] ، وتقدم آنفا في قوله : فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ [ التوبة : 111 ] . والمراد بزيادة الإيمان وبزيادة الرجس الرسوخ والتمكن من النفس . والرجس : هنا الكفر . وأصله الشيء الخبيث . كما تقدم عند قوله تعالى : رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ في سورة العقود [ 90 ] . وقوله : كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في سورة الأنعام [ 125 ] . والمرض في القلوب تقدم في قوله تعالى : فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ في سورة البقرة [ 10 ] .